المراسل الآلي
عضو مميز
- المشاركات
- 58,574
- مستوى التفاعل
- 0
- النقاط
- 1
- الدولة


في صباح متوتر يسبق العاصفة، كانت العاصمة السودانية الخرطوم على موعد مع حدث غير مسبوق. دوى صوت الرصاص من داخل "المدينة الرياضية"، المجمع الذي أُنشئ ليكون رمزا للبطولات، ليعلن بداية واحدة من أعنف المعارك في تاريخ السودان الحديث. كانت تلك الرصاصات الأولى التي انطلقت في قلب الخرطوم إيذانا باندلاع الحرب، وتحولت معها "المدينة الرياضية" من حلم رياضي إلى كابوس دموي.
غير أن الرصاص لم يكن أولى الكوارث التي ضربت هذا المشروع، بل سبقه فساد ممنهج، استنزف أموال الدولة، وترك وراءه منشأة لم تكتمل يوما، قبل أن تتحول إلى مقر عسكري ونقطة انطلاق للحرب. ليعزف لحن الخراب بدلا من عزف النشيد الوطني.
أموال مهدورة وعقود وهمية
طوال عقود، ظلّ مشروع "المدينة الرياضية" عنوانا للتطلعات، وخطابا سياسيا مكررا على لسان المسؤولين. الملايين التي صُرفت لإنشاء أكبر منشأة رياضية في البلاد تبخرت بين العقود غير المنفّذة والمباني المهجورة. لم تُلعب مباراة واحدة، ولم تُسمع هتافات الجماهير، ولا هدير المدرجات تغلي كالمرجل بالمشجعين، بل تسللت عناصر الدعم السريع إلى قلب المشروع، واستخدمته كنقطة تمركز واستراتيجية في إدارة المعركة.نماذج الفساد والتعديات
تعدّدت صور الفساد والتعديات على "المدينة الرياضية"، بدءا من تخصيص أراضٍ بمساحات ضخمة لمؤسسات هيئات وأفراد نافذين دون أي رقابة أو حساب. كانت إحدى أكبر الفضائح عندما قام مسؤول سابق ببيع جزء من الأرض لصالح مشاريع تجارية خاصة، مما أدى إلى نقص المساحات المخصصة لإنشاء المنشآت الرياضية.وتكشف الوثائق المسربة أن بعض الوزراء السابقين، ومن بينهم عدد من الشخصيات البارزة، قاموا بالاستيلاء على مساحات كبيرة من الأراضي المجاورة للمشروع لتخصيصها لأغراض شخصية أو سكنية، حيث تم توزيع قطع أرض لأفراد في مواقع استراتيجية بالقرب من المشروع، بينما تم تجاهل الخطة الأصلية للموقع.
أما على صعيد البناء، فقد كشفت تحقيقات عن أن شركات مقاولات كانت قد أُسندت إليها مهمة بناء المنشآت الرياضية، لكنها لم تلتزم بالجداول الزمنية أو المعايير الهندسية، مما أدى إلى انهيار أجزاء كبيرة من المنشأة، فضلا عن الفساد الذي كان يحيط بالعقود مع الشركات الخاصة، حيث تمت الموافقة على ميزانيات ضخمة دون وجود أي رقابة فعّالة.
تحول صادم من الرياضة إلى الرصاص
مع اندلاع المواجهات الأولى في الخرطوم، تحوّلت "المدينة الرياضية" إلى بؤرة عمليات عسكرية. قناصة على أسطح المباني، مدرعات تملأ الساحات، وأصوات انفجارات تهزّ الأحياء المجاورة. تقول إحدى المواطنات من حي الأزهري، لـ"العربية.نت": "كنا نستعد للعيد حين دوى الرصاص فجأة... رأينا الناس يركضون، والسماء تتوهج بالنيران. لم نعرف إلى أين نذهب... فقط ركضنا وسط الفوضى".وأضافت: "ابن أخي كان قد سبقنا إلى السوق، ولم نستطع العثور عليه وسط الجموع المتدافعة... في تلك اللحظة، أدركنا أن الحرب قد بدأت، وأن لا شيء سيعود كما كان".
عودة الحرب إلى نقطة البداية
بعد نحو حولين كاملين من اندلاع الحرب، عادت "المدينة الرياضية" لتتصدر المشهد من جديد. ففي نهاية مارس الماضي، نجح الجيش السوداني في استعادة السيطرة على المجمع الرياضي والمناطق المحيطة به، في مشهد حمل دلالة رمزية على عودة المعارك إلى مهدها الأول، حيث دوّت الرصاصة الأولى في الخرطوم. لكن الموقع لم يكن كما ترك، إذ بدا كمنطقة منكوبة حُفرت في جدرانها آثار الرصاص، وتكسرت حولها أحلام أجيال لطالما تطلعت لغدٍ متحررٍ من الخوف والتهديد والعدوان.بداية الحلم... ونهايته
يعود تاريخ فكرة المشروع إلى ستينيات القرن الماضي، لكن التنفيذ الفعلي بدأ مع حكومة البشير في التسعينيات، عندما تم تخصيص مليون متر مربع لصالح "المدينة الرياضية". إلا أن التعديات، وتكرار تغيير الوزراء، والاستخدام السياسي للمشروع، حوّلت الحلم إلى مجرد خرسانة صامتة.ويقول الصحافي الرياضي بدر الدين الباشا لـ"العربية.نت": "تعرض المشروع لانتهاكات متواصلة. اقتُطعت منه مساحات لصالح مؤسسات وهيئات وأفراد نافذين، بمن فيهم وزراء سابقون حصلوا على أراضٍ سكنية مجاورة، بينما تلاعبت جهات حكومية بمساحاته لصالح مشاريع تجارية".
بيع وتأجير... ثم عسكرة
في مفارقة لافتة، أصدر وزير سابق قرارا ببيع أجزاء من أرض المشروع لصالح إنشاء جسر، بينما أقدمت وزيرة الشباب والرياضة هزار عبد الرسول – قبل اندلاع الحرب بشهر – على توقيع عقد إيجار للمقر مع " الدعم السريع"، التي حوله إلى مخزن للذخائر ومركز عمليات.ويعتبر الباشا أن "هذه الخطوة كانت إحدى أكبر الكوارث التي لحقت بالمشروع، إذ جعلت من موقع رياضي استراتيجي ساحة للمواجهة العسكرية، ما وضع أرواح المدنيين في دائرة الخطر".
فساد ممنهج وعقبات سياسية
ويضيف الباشا لـ"العربية.نت": رغم محاولات محدودة لاسترداد المساحات المنهوبة – أبرزها في عهد الوزير حسن عثمان رزق – لم تكتمل أي من جهود الإصلاح، لأسباب سياسية وإدارية. حتى حين وصلت أعمال البناء إلى إنشاء مضمار أولمبي وحوض سباحة، كانت المساحة المتبقية لا تسمح بإنجاز المشروع بالشكل الذي وُعد به المواطنون.صندوق أسرار ينتظر من يفتحه
تقف "المدينة الرياضية" اليوم شاهدا على جريمتين: فساد إداري ومالي أهدر ملايين الدولارات، وتحولها إلى ثكنة عسكرية ومعقل للرصاص. لكنها ليست مجرد مبانٍ مهجورة... بل صندوق أسود يخفي أسماء، وتفاصيل، وصفقات، لو كُشف عنها، قد تهز أركان منظومة بأكملها.هل تُفتح هذه الملفات؟ أم تبقى مطمورة كما دُفنت الأحلام في قلب الخرطوم؟
السودانيون ينتظرون الإجابة، لكن في بلد تُجهض فيه المشاريع قبل أن تولد، تظل الحقيقة مؤجلة إلى إشعار آخر.
المصدر: https://www.alarabiya.net/arab-and-...ينة-الرياضية-في-الخرطوم-من-الحلم-الى-الكابوس-